ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
[ ما روى من أمر فاطمة مع أبي بكر ] فأما ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين ( 1 ) من كيفية المبايعة لأبي بكر بهذا اللفظ الذي أورده عليك ، والإسناد إلى عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي صلى الله عليه وآله ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ) ، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته . فهجرته فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها على ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ، وكان لعلى وجه ( 2 ) من الناس في حياة فاطمة . فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ( 3 ) ، فمكثت فاطمة ستة أشهر ثم توفيت فقال رجل للزهري وهو الراوي لهذا الخبر عن عائشة : فلم يبايعه على ستة أشهر ! قال : ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه على . فلما رأى ذلك ضرع إلى مبايعة أبى بكر ، فأرسل إلى أبى بكر أن ائتنا ، ولا يأت ( 4 ) معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما عرف من شدته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ؟ فانطلق أبو بكر حتى دخل على على ، وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام على ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضلك ، ولا منافسة لخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا ، فاستبددتم به علينا . وذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وحقه ، فلم يزل على يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ، فلما صمت على تشهد أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد
--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 : 186 مع اختلاف في لفظ الحديث ( 2 ) مسلم : ( وجهة ) . ( 3 ) مسلم : ( استنكر على وجوه الناس ) . ( 4 ) مسلم : ( ولا يأتنا ) .